مجمع البحوث الاسلامية

187

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

عشر حسنات ، فليس يجزي عن حسنة إلّا مثلها ، وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها . وذكر بعض المفسّرين تأويلا ثالثا : أنّ له عشر أمثالها في النّعيم والزّيادة ، لا في عظيم المنزلة ، لأنّ منزلة التّعظيم لا تنال إلّا بالطّاعة ، وهذه مضاعفة تفضيل ، كما قال : لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ فاطر : 30 . ( 2 : 193 ) الطّوسيّ : [ قال بعد بيان الإعراب في جملة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها : ] وقال أكثر أهل العدل : إنّ الواحد من العشرة مستحقّ ، وتسعة تفضّل . وقال بعضهم : المعنى فله من الثّواب ثواب عشر حسنات أمثالها . وهذا لا يجوز ، لأنّه يقبح أن يعطي غير العامل مثل ثواب العامل كما يقبح أن يعطي الأطفال مثل ثواب الأنبياء ، ومثل إجلالهم وإكرامهم ، وأن يرفع منزلتهم عليهم . وإنّما لم يتوعّد على السّيّئة إلّا مثلها ، لأنّ الزّائد على ذلك ظلم ، واللّه يتعالى عن ذلك ، وزيادة الثّواب على الجزاء تفضّل وإحسان ، فجاز أن يزيد عليه . قال الرّمّانيّ : ولا يجوز على قياس عشرة أمثالها عشر صالحات بالإضافة ، لأنّ المعنى ظاهر في أنّ المراد عشر حسنات أمثالها . وقال غيره : لأنّ الصّالحات لا تعدّ ، لأنّها أسماء مشتقّة . وإنّما تعدّ الأسماء ، والمثل اسم ، فلذلك جاز العدد به . وقال الرّمّانيّ : دخول الهاء في قوله : ( الحسنة ) يدلّ على أنّ تلك الحسنة ما هو مباح لا يستحقّ عليه المدح والثّواب . ولو قيل : دخول الألف واللّام فيهما يدلّ على أنّ الحسنة هي المأمور بها ، ودخلا للعهد - واللّه لا يأمر بالمباح - لكان أقوى ممّا قاله . ويجوز أن يكون التّفضّل مثل الثّواب في العدد والكثرة ، ويتميّز منه الثّواب بمقارنة التّعظيم والتّبجيل اللّذين لولا هما لما حسن التّكليف . وإنّما قلنا : يجوز ذلك ، لأنّ وجه حسن ذلك الإحسان والتّفضّل ، وذلك حاصل في كلّ قدر زائد . وفي النّاس من منع من أن يساوي التّفضّل الثّواب في باب الكثرة ، والصّحيح ما قلناه أوّلا . فإن قيل : كيف يجمعون بين قوله : فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وبين قوله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ البقرة : 261 ، وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً البقرة : 245 ، ولأنّ المجازاة بدخول الجنّة مثابا فيها على وجه التّأبيد ، لا نهاية له ، فكيف يكون ذلك عشر أمثالها ، وهل هذا إلّا ظاهر التّناقض ؟ ! قلنا : الجواب عن ذلك ما ذكره الزّجّاج وغيره : إنّ المعنى في ذلك أنّ جزاء اللّه على الحسنات على التّضعيف للمثل الواحد الّذي هو النّهاية في التّقيّد في النّفوس ويضاعف اللّه عن ذلك بما بين عشرة أضعاف إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة الفائدة ؛ ذلك أنّه لا ينقص من الحسنة عن عشر أمثالها ، وفيما زاد على ذلك يزيد من يشاء من فضله وإحسانه . وقال قوم : المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحقّ عليها ، والمستحقّ مقداره لا يعلمه إلّا اللّه ، وليس يريد بذلك عشر أمثالها في العدد ، كما يقول القائل